الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

258

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ النازعات : 41 ] ، والعباد إذا أضيف إلى اسم الجلالة يراد به عباد مقربون قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * في [ سورة الحجر : 42 ] . ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم للّه وجعلوا أنفسهم عبيده فاللّه رؤوف بهم كرأفة الإنسان بعبده فإن كان ما صدق ( من ) عاما كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه للّه ، فالمعنى واللّه رؤوف بهم فعدل عن الإضمار إلى الإظهار ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلا بنفسه وهو من لوازم التذييل ، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عبادا له ، وإن كان ما صدق ( من ) صهيبا رضي اللّه عنه فالمعنى واللّه رؤوف بالعباد الذين صهيب منهم ، والجملة تذييل على كل حال ، والمناسبة أن صهيبا كان عبدا للروم ثم لطائفة من قريش وهم بنو كلب وهم لم يرأفوا به ، لأنه عذب في اللّه فلما صار عبد اللّه رأف به . وفي هذه الآية وهي قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ البقرة : 204 ] إلى قوله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ معان من معاني أدب النفوس ومراتبها وأخلاقها تعلّم المؤمنين واجب التوسم في الحقائق ودواخل الأمور وعدم الاغترار بالظواهر إلّا بعد التجربة والامتحان ، فإن من الناس من يغر بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة تعبير وهو يضمر الشر والكيد قال المعري : وقد يخلف الإنسان ظنّ عشيرة * وإن راق منه منظر ورواء وقد شمل هذا الحال قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إن من البيان لسحرا » بأحد معنييه المحتوي عليهما وهو من جوامع الكلم وتبلغ هلهلة دينه إلى حد أن يشهد اللّه على أن ما يقوله صدق وهو بعكس ذلك يبيت في نفسه الخصام والكراهية . وعلامة الباطن تكون في تصرفات المرء فالذي يحب الفساد ويهلك الحرث والنسل ولا يكون صاحب ضمير طيب ، وأن الذي لا يصغي إلى دعوة الحق إذا دعوته إليه ويظهر عليه الاعتزاز بالظلم لا يرعوي عن غيه ولا يترك أخلاقه الذميمة ، والذي لا يشح بنفسه في نصرة الحق ينبئ خلقه عن إيثار الحق والخير على الباطل والفساد ومن لا يرأف فاللّه لا يرأف به . [ 208 ، 209 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 208 إلى 209 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )